...

عِزَّت عاد وباشر عمله

أتذكر في الأفلام العربية القديمة دور الرجل الشرقي في الخمسينيات والستينيات وهو ذاهب لعمله في الصباح الباكر قبل أن يتوقف لدى “الكشك” ليشتري الصحف اليومية التي كانت تحتوي الأخبار من نوع “عزت عاد وباشر عمله”، قد يكون السبب قلة الأحداث في ذلك الزمن ولجوء الصحافة في وقتها لهذا النوع من الأخبار، بالمقارنة في الوقت الحالي نرى التطور الكبير الذي طال الصحف، ولجوءها لأحدث أنواع التكنولوجيا وطرق عرض الأخبار من منشورات على مواقع التواصل ومقابلات مصورة ولقاءات مباشرة، واختفت أخبار عزت.


كثير من الصحف التقليدية التي لم تتقبل التغيير خرجت من المنافسة وبعضها أشهر إفلاسه، وهذا ما حدث ويحدث لجميع المؤسسات التجارية سواء إعلامية أو غيرها، فمن يحدد المنتج النهائي هو الجمهور المستهدف ولم يعد من الممكن للمؤسسات فرض ما يعتقدونه بأنه مناسب للجمهور، تطور التكنولوجيا وكثرة المنافسة والانفتاح على الأسواق العالمية رفعت من وعي الجمهور وأصبح قادرًا حتى على تطوير المنتجات المناسبة له بمشاركته أفكاره ومتطلباته مع أكبر الشركات العالمية، ومثال حي على ذلك المؤتمر الأخير لشركة أبل التي أعلنت عن ساعتها الذكية “ألترا” والتي تحتوي على خصائص مبتكرة للرياضيين ومحبي المغامرات.


لكن عندما تقارن هذا التوجه العالمي مع السوق المحلي، تجد عدم فهم واضح للتطور الاقتصادي وإصرار مبالغ به لعدم الاكتراث بالجمهور والتحدي الواضح لكل المفاهيم الاقتصادية والتوجه للتقليد، فبدل سماع آراء العملاء يلجأ الكثير من رواد الأعمال لتقليد المشاريع التي يعتقدون بأنها مشاريع مربحة، بمجرد مشاهدتها من الخارج من دون فهم للأرقام وطرق التشغيل وكفاءة الموظفين والكثير من العناصر الداخلية الأخرى التي هي السبب الرئيسي في نجاح المشاريع.


غريب جدًّا هذا الإصرار المبالغ فيه، أتذكر في بداية استحداث التراخيص التجارية لعربات المأكولات، كمية المنشورات واللقاءات التي قمت بها شخصيا وقام بها العديد من مستشاري الأعمال التجارية في البحرين محذرين من الانزلاق في التقليد الأعمى للمشاريع، ومع ذلك نرى اليوم كمية العربات التي خسرت ولا تجد حتى من يرغب في شرائها بأقل من سعر تكلفتها، والسبب الرئيسي في فشل هذه المشاريع هو التقليد، مع ذلك لم يتعظ الكثير من المبادرين. وكلنا شهد “الهبّة” الجديدة بعدها في ملاعب البادل التي بدأت تنافس في عددها محلات “الكرك”، والسؤال هنا: ألا يتعظ المبادرون مِن مَن سبقوهم؟


شخصيا أنا ضد أي قوانين تقيد من اختيارات المبادرين أو فرض قوانين من الدولة في تحديد التراخيص التجارية أو أنواع المشاريع، لكن في المقابل قد يكون جزء من الحل هو إلزام المبادرين لحضور ورش أو ندوات أو جلسات استشارية من مختصين محليين، قبل تقديم الدعم لهم، فالكثير من المبادرين للأسف يعتقد بسهولة عالم ريادة الأعمال لوجود برامج دعم مادية وعدم توفر برامج توعوية للرواد، خاصة أن الغالبية منهم لم يتعلم ريادة الأعمال لا في المدارس ولا الجامعات.


الجهات المعنية مدعوة أيضا لتفعيل دورها في تقديم دراسات شاملة عن السوق، ليست دراسات من نوع التوقعات حول نمو الاقتصاد البحريني والتي يصدر مثلها كثير من الجهات الخارجية والداخلية، وإنما نحتاج إلى دراسة تقول لنا ما هي القطاعات الاقتصادية التي تشبعت، وما هي القطاعات الواعدة، وكيف يمكن دخولها، بالأرقام والنسب والإحصائيات.


رسالة للهيئات التعليمية
الابتكار هو القطعة المفقودة في غالبية المبادرين ورواد الأعمال والموظفين في البحرين، وهو ما نحتاجه في المرحلة المقبلة إذا ما كنا نتمنى المنافسة في الأسواق العالمية، لذا نتمنى إضافة مواد في الابتكار، ودمج الابتكار مع باقي المواد التعليمية.

https://www.albiladpress.com/news/2022/5079/columns/774685.html

Related Articles

اشتر بالتي هي أحسن!

لكل مقام مقال، ولكل سوق احتياجاته وخصائصه وقوته الشرائية وطبائع المستهلكين فيه، ورائد العمل الذي يصمم خدماته أو منتجاته بناء على معتقداته وليس معتقدات السوق يخاطر بالفشل في مشروعه منذ …

تعلم.. ولا تتحلطم!

في كل يوم يمر نبتعد في البحرين عن “الاقتصاد الريعي” الذي يقوم في جزء منه على توزيع جانب من عوائد موارد الدولة على الموظفين دون اقتران ذلك بالضرورة بمدى انتاجيتهم، مقابل اقترابنا أكثر من نظام …

فرشة بعد الجائحة

أتجول في شوارع البحرين، أرى رجالاً وشبابًا يكدحون لكسب لقمة عيشة بشرف، يجلسون في أماكن عامة خلف “أرزاقهم”، ثلاجة سمك، أو مكسرات، أو ألبسة وألعاب أطفال، أو طاولة عليها تمر وحب شمسي وخس …

عقد قران

يميل أغلب رواد الأعمال في البحرين؛ وربما على مستوى العالم؛ لتفضيل العمل التجاري بشكل فردي خوفًا من فكرة الشراكة التي يكاد مفهومها يرتبط بالخلافات والإخفاقات التي نسمع كثيرًا من قصصها مع الأسف …